فضائل رمضان بين مغفرة الله و عدله
كثيرا ما تراودني أسئلة محيرة للجمع بين أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم حول رمضان و أجره و ربطها العدل الإلهي المنصوص عليه في الكتاب
و منطق السببية الذي جعله الله منهجا للكون. فيتبادر للذهن سؤال حول مدى العدل و الإنصاف في كون صيام شهر واحد يؤدي لمغفرة كل الذنوب السابقة و يؤهل للعتق من النار !!! كيف يقضي المرء سنته مذنبا ثم يصوم رمضان و يغفر له و كأنه لم يذنب، فشرحنا ذلك في المقال الأول بأن المغفرة لا تنال إلا مستحقيها، فمن اعتاد على الذنب خلال السنة تجده في رمضان اكثر ذنوبا و أكثر انشغالا بمعاصيها عن مغفرة الله فلا تشمله. و في الشق الثاني سأحاول تفسير السر في تكفير ما سبق من ذنوب لم صام رمضان إيمانا و احتساب.
فالمغفرة و الرحمة الإلهية إخوتي الكرام لا تمنح مجانا و لا عبثا، بل بمقابل موضوعي و محسوب و مستحق عند الله تعالى. فالله عز و جل هو التواب الرحيم و يحاسب الإنسان بأواخر أعماله، و رمضان حسب المفهوم الجديد للبرمجة اللغوية العصبية يشكل شهرا من التدريب المركز الذي يؤهل المرء للقطيعة مع سلوكاته السابقة و يبرمج نفسه خلاله على سلوكات جديدا تحقق هدف وجوده في الأرض و حسن خلافته لله تعالى فيها عبر عمارتها و إصلاحها. فمن صام الشهر كله كما وصف الله يكون كمن خرج من دورة تدريبة للبرمجة الذاتية يتمكن خلالها من القطع مع الماضي بكل انحرافاته و أخطائه فيستحق أن يمحو الله عنه ذنوب هذا الماضي كالما أنه هو نفسه قد قطع معه ذاتيا. و بتقسيم هثه الدورة المركزة في البرمجة اللغوية العصبية الذاتية خلال رمضان إلى مراحل ثلاث نفهم أكثر معاني الرحمة و المغفرة و العتق من النار المنصوص عليها في ما أثر عن الرسول الكريم، فخلال العشرة أيان الأولى يبدأ المؤمن بتليين قلبه و الانفتاح على مفهوم الود و الرحمة و بنفسه التي تتأثر بسلوكات الرحمة الخارجية التي يقوم بها امتثالا لأوامر ربه بالصدقة على المساكين و الفقراء والين في التعامل مع الناس أجمعين.
و بعد أن يلين القلب و ينفتح على الرحمة خلال العشر الأوائل، تبدأ مرحلة القطيعة مع الماضي و سلوكاته المنحرفة و هذا ما يتوافق مع عشرية المغفرة التي وعد الله عز و جل بها. و بتطهر العقل و القلب من رواسب البرمجة السلبية السابقة يبدأ المؤمن خلال العشرية الأخيرة من رمضان ببرمجة جديدة على الخير كطبع و سلوك تلقائي مصلح و معمر للأرض وفقا لما أمر الله به يتوج بليلة من التصالح و الاحتفال بنتائج شهر من البرمجة الذاتية على حسن الخلافة و الإصلاح هي ليلة القدر، بما يؤهل المؤمن فعلا لعتق رقبته من النار بإذن الله عز وجل و تحقيقا لوعده.
إن الله إن أراد لشيء أن يكون جعل له سببا، و إن الله يقيم عدله و لا يخلف وعده. فالحمد لله ر ب العالمين
ذ هشام الناصري