مقالات

فصل المقال في ما بين التربية الكشفية و التربية الدينية من اتصال أو انفصال

فلسفة الواجب كأساس للتربية الكشفية:

أبدأ بمناقشة الأسس الفكرية والعقدية التي تنبني عليها كل من التربية الكشفية والتربية الدينية الإسلامية، وهو نقاش يكتسي أهمية قصوى من حيث أنه يؤطر كل الجوانب التقنية والمنهجية الأخرى التي تطبع المنظومة التربوية المعنية وكذا من حيث اختلافه عما آلت إليه منظومة القيم الحديثة. اختلافا يصل إلى حد التضاد والتناقض فالتربية الكشفية مبنية على فلسفة “الواجب” فالمنتسب إليها بأدائه القسم يرتب على نفسه التزامات يجب أن يقوم بها وأن يسعى دائما لتطبيقها فدستور التربية الكشفية (قانون الكشاف) هو دستور واجبات والتزامات بامتياز وحصر.

وفي هذا فائدة كبرى حيث يجعل الفرد منشغلا بذاته وسلوكاته دائم الحرص على تهذيبها واستقامتها بما يضمن تربية ذاتية دائمة ومستمرة.فلسفة الواجب هذه أجد لها تقاطعا كبيرا مع العقيدة الإسلامية وانسجاما تاما معها. فإن الله تعالى خلق الإنسان في الجنة ليخلد فيها، وما أرسله إلى الأرض إلا في مهمة استخلافية مؤقتة وقصيرة مهما طال زمنها بالنظر للخلود الأبدي أو الزمن السرمدي. وهذه المهمة لخصها القرآن الكريم في عمارة الأرض وإصلاحها. فوجود الإنسان في الأرض مبني على أساس أداء مهمة أي القيام بواجب وليس من أجل الاستمتاع وأخذ حقوق.

وهذه الخلاصة مستقاة مما رواه لنا القرآن عن أنبياء الله ورسله أدائهم على سطح الأرض. فوجودهم كان مرتبطا بأداء مهمات وبالقيام بواجبات العمارة والإصلاح فلا تجد في سيرهم (صلوات الله وسلامه عليهم) أي مؤشر على الاستمتاع بالحقوق ومتع الدنيا فحتى من كان ملكا أو وزير، كان عاملا قائما بواجباته فيوسف لما ملك خزائن الأرض جاب مصر طولا وعرضا لإصلاح الأراضي ونشر العدل وضمان الأمن الغذائي، وذي القرنين آتاه الله من القوة والعلم فارتحل بين مشارق الأرض ومغاربها لنشر العدل ومنع الظلم وإصلاح الأرض. وداوود وسليمان، الملكان، لم يستمتعا بملكهما بل سخراه في أداء المهمة الاستخلافية ومن قصة سليمان مع الخيل التي شغلته عن صلاته فأبادها نفهم أن الأصل في ملكه هو أداء الواجب وليس الاستمتاع بحقوق وأن الانشغال بالمتع الدنيوية قد يكون إثما.وهكذا نجد أن البنية العقدية والأسس الفكرية التي بنيت عليها التربية الكشفية تنسجم في هذه النقطة مع الشريعة الإسلامية، من حيث اعتبار أن وجود الإنسان يجب أن ينبني على أساس أداء واجبات وليس أخذ حقوق. وبالبحث استنتجت أن هذا التوافق ليس غريبا أو مستهجنا، على اعتبار أن مؤسس الحركة البريطاني بادن باول نشأ في عائلة كاثوليكية تنشئة دينية عريقة والدين المسيحي (على ما طاله حسب اعتقادنا من تغيير) لم يخرج عن هذه الأهداف و المقاصد التي أرسل الله تعالى بها رسله: أن يخبروا الناس بوجوده ووحجانيته ويذكروهم بالمهمة التي هم في الأرض من أجلها، إصلاحها وعمارتها. فانعكست هذه التعاليم الدينية على البناء النظري الذي ارتضاه بادن باول لحركته حين أنشأها فجعلها ترتكز على فلسفة الواجب كما علمه دينه.

فلسفة الواجب في مقابل لفلسفة الحق:                              

إن كانت الحركة الكشفية والدين يتفقان، في ارتكازهما على مبدأ الواجب كأساس فكري وعقدي للمنظومة التربوية لكل منهما، فإنهما يتعارضان إلى درجة التضاد في ذلك مع المنظومة القيمية والعقدية لعالم الحداثة وما بعد الحداثة والذي يبني فكره على فلسفة ”الأنسنة” و مبادئ ”الفردانية”، ساعيا إلى ضمان استمتاع الإنسان (ذلك الكائن العظيم المقدس والعاقل الوحيد في الكون) من كل حقوقه. فهو أعظم مخلوق على سطح الأرض بل هو مالكها وله أن يستمتع بملكه, فتأسس الوجود كله، في عالم الحداثة، على فلسفة ”الحق”.

وللأسف فإن هذه الفلسفة تخفي من ورائها اعتقادا خطيرا ينكر حقيقة البعث أو الحياة بعد الموت كما يؤمن بذلك أصحاب الأديان السماوية. فوجود الإنسان في الكون محصور في حياته الدنيا فقط لذلك عليه أن يسعى إلى أخذ حظه منها قبل الموت فبالموت ينتهي.بخلاف الديانات الإبراهيمية، التي تحقر من الحياة الدنيا ومتعها مقارنة مع ما أعده الله تعال من نعيم وجنان لعباده الذين آمنوا به وأدوا المهمة (الواجب) المناط بهم في هذه الحياة الدنيا، لذلك نجد دائما في القرآن أن النعيم أو الفلاح معد لمن “آمن وعمل صالحا” أي اعتقاد وعمل (أداء واجب) ومنه نفهم كيف أن موجة الأنسنة وفلسفة الحقوق ترعرعت وانتشرت بشكل أسرع في الأوساط الإلحادية أو اللادينية والليبرالية على الأقل ووجدت مقاومة و تحفظا من الديانات الكنسية والإسلامية وغيرها قبل أن تتراخى هذه الأخيرة بفعل الضغط المستمر والمتواصل.

فلما أخبرت الديانات السماوية أن هناك حياة نعيم بعد الموت كان مقبولا أن ترتب على الناس من أتباعها واجبات والتزامات وصبرا على المعانات جزاءه مكفول عند الله في جنة الخلد. ولما أنكرت الأنسنة والمبادئ الحداثية وجود جزاء أخروي، أو حتى فكرة الحياة بعد الموت، حرصت على استمتاع الإنسان بحقوقه كلها خلال حياته الدنيا فبموته يفنى.ولقد ترسخت مبادئ فلسفة الحقوق في المجتمع الحديث وانتشرت بشكل كبير بفعل المناهج التعليمية والبرامج الإعلامية، وما منا من أحد إلا ويرتكز عليها في بناء أفكاره ومشاريعه وقراراته و قناعاته.

وقد نجد في هذا بعض الجواب على تراجع العمل الكشفي وتردي جودته وعزوف الشباب عنه. فكل إنسان حداثي إلا ويبحث عن حقوقه ومتعه بنزعة فردانية براغماتية، بينما الحركة الكشفية بما ترتبه من التزامات وواجبات لا تضمن له دلك، لذلك تبدو الحركة الكشفية غير منسجمة مع البنية الفكرية لغالب روادها فيكون الحل إما أن يغادروها أو يحولوا مسارها وأهدافها لتحقيق أهوائهم وميولاتهم الفردانية أي كسب حقوقهم.

القائد هشام الناصري

alt

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock