من مذكرات كشاف يزعم انه قائد

الحلقة الخامسة عشر : لقاء الطلائع 1979

دخلنا الماء بثيابنا ننتعش ونغسل عناء  وتعب يوم من فجره لمغربه . كان محور النقاش العشاء والسهرة اللعبة الكبرى .

ثلاث أيام تفصلنا عن العودة الى فاس ، احدى وعشرين يوما جربنا فيها كل شئ ، المتعة المنافسة، التحدي، الصبر، الخوف، الفقد،الجديد واهم من ذلك قبول كل شيئ . قضينا يوما كاملا في الشاطئ حتى اسودت جلودنا لم نرى فيه المخيم الا عند المغيب أزلنا الملح الذي بدأ يأكل جلودنا وأطفئنا حرارة أجسامنا ونمنا الى العشاء ونزلنا الشاطئ للسهرة أناشيد وألعاب ومرح وسباحة ليلية . لم نصعد المخيم إلا للنوم . في اليوم الموالي بحر وجولة بالمدينة الى المساء وسهرة حرة بالليل .في  اليوم الاخير استعدادات لنار المخيم . أردناها ان تكون مميزة ، كيف لا ومعنا القائد عبد العزيز وحرصه على تطبيق الطقوس الكشفية بأبجديتها الكاملة دون إسقاط حرف . ومعنا بوخاتم ونور الدين وغيرهم  . في المساء حفل بسيط لتقديم النتائج ومراسيم إدخال العلم حضر الحفل مدير المخيم والمقتصد وقادة الفروع .لا زلت اذكرهم قائدا قائدا ، فازت طليعة الاسد باللعبة الكبرى والخنساء بالطبخ والغزال بالاركان وفزت بالكشاف المثالي .لم تكن هناك جوائز فقط نقط حسنة لكل فائز وفائزة أشبالا وكشافة ، وانتهى الحفل .وانطلقنا نكمل اعداد النار وتوزيع الأدوار في المراسيم – أتذكرها كلها وكانها خط مستقيم به محطات متتالية ومنظمة – ولكثرة تكرارها في كل مخيمات فرعنا ، نعم اقول فرعنا وأن لم يعد فرعنا فقد شاءت الأقدار ان ننقسم ونكون فرعا رغما عنا – . يبدء المشهد انطلاقا من الخيام وليس حول النار والمنديل معقود حول الراس ربطة القرصان ،بنداء حارس اللهيب نلتحق جماعات ونحن نرد لازمة نشيد النار “كشاف هلم نشغل نارنا “وتجلس  كل مجموعة في مكانها وحارس اللهيب يكمل نشيده حتى حضر الجميع وصمت رهيب في ظلام بدون بدر نسمع أصوات بعيدة تردد بنود الكشاف وتليها دعاء الكشاف -كنت اعرف صاحب كل صوت- ثم انشد القائد بوثنين نشيد يا ساكن الخيام صوته بدا صافيا قويا في سكون الليل وفي وهج اشتعل الموقد،  لم يكن كبيرا ، لكنه جميل أضفى فى الضلال والوجوه حمرة . وفي طقطقة النار أكمل القائد عبد العزيز النشيد وبعده صمت رهيب  تم أناشيد ليلية هادئة يتخللها سكون ونحن نراقب تطاول اللهيب . تقدمت مجموعة من الاشبال والكشافة والمرشدات أمام علم يمسكه قائدان . تقدم قائد السرب ورددوا  العهد .كما جاء دور الكشافة والمرشدات ، انتهت مراسيم تأدية العهد ولم أكن جملتهم هذه المرة أيضاً . تقدمت مجموعة من الكشافة من بينهم بن سودة وكنون جلهم من طليعتي الاسد والفهد ، لمراسيم حفل الصعود لمرحلة الكشاف المتقدم – او مقبرة الافراد كما كنا نسميها…- اجتازوها بكلمة توديع من قائد الكتيبة وكلمة ترحيب من قائد الكشاف المتقدم  .  انتهت السهرة  ، منا من بقي حول النار للسمر ومن غادر لينام او يجمع أمتعته . في الصباح الباكر كان كل شيئ معد للمغادرة . في الثامنة غادرت الحافلات مخيم السعيدية وصلنا وجدة وانطلقنا نجوب أسواقها في انتظار موعد القطار ، كانت جيوبنا فارغة الا من دريهمات من اجل حافلة نقلنا من المحطة للمنزل . في الواحدة والنصف تحرك القطار في اتجاه فاس والتي دخلناها يوم الخميس 23  غشت 1979 دخلنا فاس ما ان وضعنا أقدامنا حتى ارتخت مفاصلها وكان العياء سقط دفعة واحدة زادها شدة القيض . عجزنا عن حمل امتعتنا فكيف بالتجهيز ، لكنه الواجب حملناه في سيارة شحن وانطلق به القائد انين لمنزله صحبة اربعة كشافة . ولم يتبقى في المحطة سوى  قائدان وخمسة افراد الكل غادر دون توديع . امتطينا الحافلة أنا وعبد الوهاب وحمزة ودخلنا المنزل في حدود الثامنة والنصف ،لم يستطع  الحمام البارد من انعاشنا وازالة التعب وجلسنا للعشاء شبه نيام لا نكاد نسمع ما يقال لنا ونجيب بحركات الرأس ،ما ان انتهى العشاء حتى كنا قد أخدنا مكاننا ونمنا رغم شدة الحر – لو قرعت  طبول الحرب عند آذاننا ما تحركنا – لم تكفينا ليلة واحدة وزدنا النهار كله نستفيق لناكل او لنأخذ حماما باردا وننام. وأخدت الحياة رتابتها . ألتقي مع أصدقاء الدرب نلعب الكرة أو نتجول في البساتين وما يصاحب ذلك من مغامرات كان اخطرها إخراج العقارب والحيات من جحورها . انخرطت في فريق كرة قدم الحي كحارس مرمى لطول قامتي وسرعة التركيز . شاركنا في دوري مصغر  على مستوى الاحياء ونجري مباريات  في ملاعب المرينيين قرب القصر الملكي أو في ملعب كان مقبرة ،كنا نلقبه بالعرصة ،  قرب ضريح الزعيم الوزاني مؤسس حزب الشورى .

مر الصيف وجاء الدخول المدرسي ومعه اللقاءات الأسبوعية والافتتاح الموسم الكشفي الجديد…

فصل شتاء 79/80 مر قاسيا شل حركتنا تماماً أسابيع متتالية من المطر واحيانا تثلج واحيانا موجة  البرد تجمد برك الماء  . ليس وقت مغامرة اكتفينا بالنادي الى مستهل شهر مارس

3 مارس 1980 احتفالات عيد العرش ، استعراض ضخم في الصباح واحتفالات في النادي بعد الزوال مسابقات رياضية وثقافية طيلة الاسبوع لكن كان علينا الاستعداد للقاء العرفاء ربيع 80 . عينت عريفا للطليعة العليا . كان شرفا لي ان امثل فرعي – جرت العادة ان احتفظ بلوائي ودفتري الذهبي واسم الطليعة ، لم اكن اعرف من المشاركين في الطليعة الا ثلاثة منير  والقباج والسليماني أما الباقي لا أعرفهم ولم يشاركونا الاستعدادات …

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock